Jadof

علاقة العطور مع الفراعنة والزمن القديم

· 2018-11-17

أصل كلمة عطر

تم اشتُقاق كلمة عطر في اللغة الإنجليزية perfume من العبارةِ اللاتينيةِ،  per  والتي تعني " خلال " و   fumus   بمعنى "دخان" وبعد ذلك أطلق الفرنسيون الاسم  parfum  على  الرّوائح اللّطيفةِ  التي  تنتقل عبر الهواءِ من البخور المُحترِقِ وهناك فتراتُ تاريخِية قليلة لَمْ تتأثر بالعطرِ. فتاريخ العطرِ غالباً ما كان يتشابك مع تاريخِ الجنس البشريِ.

العطور والبخور واستخداماته

كان البخور هو الشّكل الأول للعطرِ فلقد اكتُشف البخور أول مرة مِن قِبل البابليين في حضارة مابين النهرين قبل حوالي 4,000  سنة ففي الحضارات القديمة كان يُحرق العديد من أنواعِ الراتنجِات والأخشاب في طقوسهم الدّينيةِ وكانوا غالباً ما يقومون بنقع الأخشاب العطرية والراتنجات في الماءِ والزيت ثم يقومون بفرك أجسادهم بالسّائلِ وكانوا أيضا يحَنطون موتاهم بهذه العطور.

أهمية العطور في حياة الفراعنة

لقَدْ تَعلّمنَا من الكتابات الهيروغليفيةِ على القبورِ المصريةِ القديمةِ أن العطرِ لَعبَ دورا في حياةِ المصريين.فلقد دخل البخور إلى مصر حوالي سنة 3000 قبل الميلاد، وأصبح ذلك شعبيا بعد تولي الملكة حتشبوت العرش فلقد  قادتْ بعثات بحثا عن البخور والسّلعِ الثّمينةِ الأخرىِ و هو ما سُجل على جدران الهيكل الذي شُيد على شرفها في وقت لاحق وكان في الهيكلِ حديقةَ نباتات وقد مُلئت بأشجار البخور التي تم جلبها في هذه البعثاتِ كما وُجدت العطور داخل قبور الفراعنةِ المصريين ويُحتمل أن يكون استعمال العطور في الطقوس السرية سابقا لإحْراق البخور والأعشابِ الطيبة في المراسيم الدينية.وحتى بِدايةِ العصر الذهبيِ لمصر، ظلت العطور تُستعمل فقط في الطّقوسِ الموجهة للآلهةِ أو الفراعنة.

العطور في العهد القديم والعهد الجديد

أما في العهود الإنجيلية، فقد كان العطر يحظى بالتقدير العاليِ وهناك إشارةُ متكررةُ إلى العطر في الإنجيل ففي العهد الجديد [الإنجيل]، حمل الحكماء الثّلاثة هدايا الذّهبِ البخور ونبات المرّ إِلى الطفل عيسى المسيح عليه السلام وقبله بوقت طويل أمر الله تعالى موسى عليه السلام [كما جاء في العهد القديم (التوراة)] أن  "خذ لك عطوراً ميعة و أظفارا وقنة عطرة ...ولبانا نقيا...فتصنعها بخورا عطرا."وعلى الأرجح، مازال عود البخور أكثر النباتات التي لمح إليها الإنجيل شهرة فالبخور المحترق كان امتيازا للكهان في الحضاراتِ الأولى ومازال  التّقليد قيد الاستعمال اليوم في الكنائسِ الكاثوليكية والكنائس الأسقفية البروتستانتية.

تنوع المنتجات العطرية واستخداماتها عند المصريين

وأصبح البخور والمواد العطرية والزيت المعطر متوفرا لكل المصريين بعد أن تنازل الكهنة بشكل تدريجي عن حقوقهم الإمتيازية وأُمر المواطنون بتعطير أنفسهم على الأقل مرة كل أسبوع فقام  المصريون وهم ذوي عادات شخصيةِ صعبة الإرضاء بأَخذَ  حمامات مدروسة ومعقدة والتي كانت البداية الأولى لِمؤسسات الاسْتِحْمامِ الفاخرة عند  اليونانيين والرومانيينِ فقد كانوا يدهنون جلودهم بالزّيوتِ لأنها كانت تدخل عليهم المتعة كما كانت تسَاعدهم في حماية أجسامهم من التّأثيراتِ المجففة للشّمسِ المحرقة ولقد ابتكر المصريون العديد من الكريمات المعطرة ومرطبات البشرة وكانوا يُشكّلونها في أشكال مخروطِية ويَذُوبونها لكي يغطوا شعورهم وأجسامهم  فقد كان الاِسْتِحْمام ممتعا وفرحة اجتماعية وكان الاستحمام يصل أحياناً إلى ثلاث مرات يومياً.كان المصريون يحملون العطر معهم من الولادةِ وحتى بعد موتهم وكان العديد من المصريين يَضعونَ عطورا في قبورهم ليحافظوا على جلودهم ناعمة كالحرير في الدار الآخرةِ وبما أن المصريين كانوا يعتقدون بأنّ الرّوحَ تصعد إلى السّماء فقد كان يرى أهل الميت أنه من الضروري أن يرَافقَ العطرِ روحَ الفقيد فكانت توضِع الأواني المطلية بالذهب والجرار المصنوعة من الفخار الناعم والعقيق الأبيض المملوءة بالمواد العطرية في القبورِ. وكَانتْ بعض من الزّيوتِ التي استُعملتْ قوية جدا لدرجة أنه حتى بعد 3,300 سنة بعد موت توت عنخ آمون كان بالإمكان اكتشاف أثر لطيب منبعث من مراهمِ في قوارير مختومة بإحكام عندما فُتِحَ القبرُ واستُعملت العطور خلال عملية التَحْنيطِ وكانت تأخذ من 40 إِلى 70 يوما لإكمالها! ولقَدْ تم استعمال نبات المرّ المطحون والقرفة الصينية وعطور أخرى في عمليةِ التَحْنيطِ.

العطر السائل وصناعة اول زجاجة عطر

على الأرجح بلغ استهلاك المواد العطرية ذروته خلال هذه الفترةِ المتميزة بالإسراف فقد كانت معارض العطور أماكن اجتماع شعبيةُ لكل شخصِ تقريباً وكان الحمّامِ اليوميِ نشاطَا مهماَ للمواطنِ اليونانيِ وكانت تُستعمل أنواع مختلفة من المراهمِ في آن واحد مع بعض الرّوائحِ خصيصا لأجزاءِ معينة من الجسم.  ويُنسب إلى اليونانيين فنِ صناعة أول عطرِ سائلِ ولو أنه كان مختلف تماماً عن العطرِ كما نَعْرفه اليوم.  فقد كَانتْ عطورهم مساحيقَ معطّرةَ ممزوجة بزيوتِ ثقيلةِ خالية من الكحول وكان السّائل يُخزنَ في زجاجاتِ طويلة الشكل مصنوعة من المرمرِ والذّهبِ.وكان المصريونُ يتباهون بالحاوياتِ الجميلةِ التي كانت تحَمل عطورهم وكانت زجاجاتِ العطرِ هذه ذات جمال خلاب فلقد كانت تُصنع الحاويات من موادِ مثل المرمر والزجاج والأبنوس والخزف الصيني كما صُنعت بعض زجاجاتِ العطرِ من الذّهب والحجارةِ وعندما ظهر الزجاج لأول مرة في مصر حوالي سنة  1558  قبل الميلاد أصبحت له قيمة تفوق قيمة الجواهرِ.سَمحتْ الظروف المناخية المناسبة لمصر باستيراد العديد من التّوابلِ والمواد العطرية من الهند مثل الزنجبيل، الفلفل، وخشب الصندل و ما زالَتْ مصر تحتل مكانة بارزة في إنتاج زيت العطرِ الأساسيِ وهي تستحوذ على قسم هام من إنتاجِ الياسمين في العالمِ ولقد أخذ قدماء اليونانيين والرومانيين معارفهم حول العطور من المصريين وكانت التجارة بين كريت ومصر جيدة وتعايشيةَ وكما هو الحال مع المصريين كانت الزّهرة الأكثر اعتبارا بالنسبة لسكان كريت هي زهرة الزّنبقَ وكان الورد شعبياَ أيضا وأَخذت الثقافة اليونانية وقتا لتتطوّرَ بعد  ثقافة كريت فقاموا باستِعْمال مواد متنوعة حاملة للطيب مستخرجة من الزيوت النباتيةِ مثل زيت الزيتون واللّوز، وأضافوا زيوتا أساسيةَ مستخرجة من الزّنابقِ، والورود، واليانسون، وجذر السوسن الفلورنسي. وعلى الرغم من حظر سابق على استعمال العطور في الـقرن السادس فإن الرجال والنِساء على السواء استعملوها بإسراف قبل وبعد الاستحمام خلال اليوم وعلى كل أجزاءِ الجسمِ.كانت الحمامات العمومية الرّومانية رائعة، وكانت حمامات الإمبراطورِ كاراكالا الأكثر شهرة على الإطلاق فقد كانت هناك غرفة واحدة ذات رفوف عليها  قارورات من المراهمِ وجرار الزّيوتِ المعطّرةِ وخلاصات في زجاجات ذات أحجامِ مختلفة وانغمسَ الرومانيون في عادة استعمال العطرِ ثلاث مرات كل يوم كما كانت تُعطر الكلاب الأليفة والخيول.  وفي الاحتفالات، كانت تُطلق الطيور من أقفاصها لترش العطر من أجنحتها؛ وكانت أغطية الأثاث والشمعدانات، والمناضد، والوسائد تُعطر كلها.وكان الخدم يضعون المسكَ، العترة، مرهم الناردين، ومواد عطرية أخرى.وبغزو الإسكندر الأكبر لمصر في الـقرن الثالث قبل الميلاد، صار استعمال العطرِ والبخور في اليونان واسع الانتشار أكثر ولقد تطرق الفيلسوف اليوناني  ثيوفراستوس الأثيني إلى مختلف المواد الحاملة للأريج والزّيوت الأساسية ومصادرها النباتية وحتى تأثير الرّوائحِ المختلفة على أمزجتنا وعلى عمليات التفكير لدينا كما بحث أيضا الكيفية التي نُدركُ بها الرائحةَ وأشار إلى الارتباط الموجود بين إدراكِ الرّوائح والذّوق.ربما كانت كليوباترا أكثر حكام مصر شهرة فكليوباترا الخبيرة في قوةِ وسحر الأريجِ كَانت مسرفة في استعمالها للعطرِ فبعد اغتيالِ القيصر يوليوس تَركتْ روما لتصبحَ ملكة على مصر وهناك حَيّتْ مرقس أنطونيوس وهو سياسي روماني على باخرةِ بالأشرعةِ المُعَطَّرةِ وأُعلن عن وصول كليوباترا بسُحُب من العطرِ قبل أن يبدو مركبها للعيان. ووقع أنطونيوس في سحرها وبالفعل صار متيما بها لدرجة أنه قتل نفسه على إثر سماعه لإشاعة كاذبة عن موتها وبالمثل، قتلت كليوباترا نفسها بإثارةِ صِل للدغها بعد سماعها بموت أنطونيوس.و أحاطت الحسناء المصرية نيفرتيتي وهي من سلالةِ سابقةِ، نفسها بالعطرِ: حاويات من شجر المرِّ وقنينات معبأة بزيوت طيبة وجرار من المراهم ذات زخارف رائعةِ.ظلت شجرة أرز لبنان مشهورةَ عبر العصور فلقد استُعملت شجرة الأرز من قبل الملكَ [النبي] سليمان الحكيم عليه السلام في بناء الهيكلِ؛ واستُعمل زيت شجرة الأرز لدهن مخطوطاتِ ورق البرديِ لحمايتها من الحشراتِ في عهد الإمبراطورِ الرّوماني أوغسطس واليوم تُرْشُّ خزاناتِ الثياب بزيت شجرة الأرز لطرد حشرات العثة.كان الفينيقيون السوريون هم التجارَ أو البائعون في العصر القديمِ.وكانت الأصماغ العطرية التي يتم جلبها برا من الصين تُشترى مِن قِبل الأوربيين الذين كانوا يستطيعون شراءها وكان امتلاك الأعشابِ ذات الروائح الطيبة دليلا على الثراء وكان وضع العطر علامة على المستوى الاجتماعي الرفيع وكان أصحاب الكمياتِ الكبيرةِ من الزّيوتِ والمراهمِ يحظون بالاحترام الكبير.ويرجع الفضل في ربط ماضي صناعة العطر بحاضرها إلى العرب. فلقد تم تطوير عملية استخراج الزيوت من الزّهورِ بواسطة التّقطير،( وهي العملية الأكثر شيوعا في الاستعمال اليوم )، مِن قِبل الطبيب العربي ابن سينا، والذي كَانَ أيضا صيدليَا فلقد جرب الورد أولا وقبل اكتشافه هذا كانت العطور السائلة مزيجا من الزيت والأعشابِ المَسْحُوقةِ أو الأوراق التويجية التي كانت تشكل مزيجا قويا وكان ماء الورد أكثرَ رقّة وبسرعة أصبحَ يحظى بشعبية كبيرة.وازدهرت العطور خلال حكم الملكة كاترين دي ميديسي في فرنسا فلقد جلبت كاترين عطارها الخاص ريني لي فلورنتين معها من إيطاليا وكان مختبرها موصولا بشقتها بممر سري حتى لا يمكن سرقة أية صيغة منه.