Jadof

نفحات عطرية من أعماق الحضارة المصرية

· 2017-01-22

مرت صناعة العطور في حقبة زمنية طويلة ، فمنذ قديم الأزل والإنسان في سعي دائم لمنح حياته رونقاً وجمالاً من خلال إضافة لمسات عطرية تشذو بعبير كل عصر وأوان وتمنح عبقاً أخاذاً يأسر الاذهان . 
فكان للحضارة المصرية القديمة نصيب في صناعة العطور ، واتضح  ذلك من خلال الكتابات الهيروغليفية على القبور المصرية القديمة . فلقد دخل البخور إلى مصر حوالي سنة 3000 قبل الميلاد . وأصبح الأمر بعد ذلك شعبياً على أثر تولي الملكة حتشبسوت العرش ، فلقد قادت الملكة بعثات للبحث عن البخور وغيره من السلع الثمينة وهذا ما سُجل على جدران الهيكل الذي شيدته في وقت لاحق ، وكان للهيكل حديقة مُلئت بأشجار البخور التي جلبتها من هذه البعثات .كما وتم العثور على عطور وجدت داخل قبور الفراعنة ويُحتمل أنها كانت تستخدم في طقوس سرية للمراسيم الدينية .


وحتى بداية العصر الذهبي لمصر ، ظل يستخدم العطر في الطقوس الدينية والقرابين المقدمة للآلهة . أما في العهود الانجيلية فكان يحظى العطر بالتقدير العالي لاسيما البخور ونبات المر . وعلى الأرجح ، مازال عود البخور من أكثر النباتات التي لمح إليها الإنجيل . فالبخور المحترق كان امتيازاً للكهان في الحضارات الأولى ومازال قيد الاستعمال اليوم في الكنائس. وبعد تنازل الكهنة عن حقهم في الامتياز أصبح البخور والزيت العطري والمواد العطرية لعامة المصريين . فكان المواطنون يتعطرون مرة واحدة على الأقل أسبوعياً، ثم تتطور الأمر لأخذ الحمامات فكانوا يدهنون أنفسهم بالزيوت  لما يترتب عليه من شعور مُكلل بالمتعة بالإضافة لحماية بشرتهم من جفاف حر الشمس ، فابتكروا العديد من كريمات ومرطبات البشرة المعطرة لتمنحهم المزيد من المتعة.


لقد كان المصريون يحملون العطر في جعبتهم منذ الولادة وحتى بعد أن يواريهم الثرى . فكانوا يرافقون العطور لروح الفقيد ، حيث يتم وضع أواني مطلية بالذهب وجرار مصنوعة من الفخار الناعم بالإضافة إلى العقيق الأبيض المملوءة بالمواد العطرية  داخل القبور . وثبت ذلك عندما تم فتح قبر توت عنخ أمون للقيام بعملية التحنيط، فلقد انبعث ريح طيب من مراهم وضعت في قوارير مختومة بإحكام ، وتم استخدام العطور في عملية التحنيط حيث اُستُخدمت القرفة الصينية ونبات المر المطحون آن ذاك.


حيث كان المصريون يتباهون بحاويات العطور الجميلة والتي كانت عبارة عن زجاجات ذات جمال خلاب صُنعت من المرمر والأبنوس والخزف الصيني بالإضافة إلى استخدام الذهب والحجارة ، إلى ان تم استخدام الزجاج لأول مرة وذلك عام 1558 قبل الميلاد فأصبح له قيمة ثمينة تفوق قيمة الجواهر.
ربما كانت كليوبترا أكثر الحكام شهرة فكانت الخبيرة في قوة وسحر الأريج مما بلغت أهمية العطور أوجها  ، حيث كانت مسرفة في استعمالها للعطور فبعد اغتيال القيصر يوليوس تركت روما لتصبح ملكة على مصر ، حيث التقت بالسياسي الروماني مرقص أنطونيوس على متن باخرة مُعطرة ، فوقع الأخير في سحرها وصار متيماً بها لدرجة انه قتل نفسه إثر سماعه إشاعة كاذبة عن موتها وبالمثل قتلت نفسها بعد سماعها بموت أنطونيوس مما أدى إلى تراجع الاهتمام بالعطور . 


هذا وبالإضافة لقيام  الحسناء المصرية نيفرتيتي وهي من سلالة سابقة بإحاطة نفسها بالعطور وهي عبارة عن حاويات من شجر المر وقوارير مُعبأة بزيوت طيبة وجرار ذات زخارف رائعة من المراهم.
سمحت الظروف المناخية الجيدة  لمصر باستيراد العيد من التوابل والمواد العطرية من الهند مثل الزنجبيل ، خشب الصندل والفلفل، ومازالت تحتل مصر مكانة عظيمة في انتاج الزيت العطري الأساسي والتي حاذت على قسم هام من إنتاج الياسمين في العالم .فتعتبر الأزهار من الياسمين والبنفسج وزهر الليمون والورد وغيرها موضع مهم لاستخراج العطور ، بينما تأتي الأخشاب  ولاسيما خشب الأرز وخشب الصندل لتكوين الجوهر العطري ،هذا بالإضافة للأوراق المتمثلة في النعناع ، الغرنوق والخزامى ، ولا نغض البصر عن الجذور مثل الزنجبيل والسوسن وغيرها .


ويعود الفضل في ربط ماضي الصناعة العطرية بحاضرها للعرب وذلك من خلال تطوير عملية استخراج الزيوت من الزهور من خلال عملية التقطير التي أمدنا بها الطبيب العربي ابن سينا ، وقام بتجريب ذلك على  الورد أولاً،  قبل اكتشافه هذا كانت العطور السائلة هي سيدة الموقف والتي هي عبارة عن مزيج قوي من الزيوت والاعشاب المسحوقة والأوراق التويجية . فقد كان ماء الورد أكثر رقة ونال شعبية كبيرة .  فكان أقدم عطر يُسمى بعطر الورد حيث كان رائجاً جداً لدى القبائل العربية.